وجعلّنا كل طالبٍ للماء "مسجونا"..
في نهاية شهر أكتوبر من السنة الماضية، خرجت السّاكنة بمدينة زاكورة تُطالب الدولة، عبر المُنتخبين والمسؤولين، بتوفير الماء الصّالح للشرب لهم.. زَحف العطش على المنطقة بفعل استنزاف الاقطاع للفُرشة المائية، جعل حياة الناس في خطر.. حوّل زاكورة لما يشبه واحة جافة يهدد الموت قاطنيها.. كانت مطالب المُحتجين مشروعة وعادلة؛ وعوض البحث عن حلول لها والإستجابة لصرخات عجائز نال منهن الوهن والتعب، لجأت الدولة كعادتها للمقاربة الأمنية المتمثلة فالقمّع وتكسّير العظام.. فضّت المسيرات السلمية بالقوة؛ وألقتْ القبض على النشطاء وفصّلت التهم لتُناسب مقاسهم، ووزّعت عليهم سنوات كثيرة كعقاب لهم على المطالبة "بالحياة"...
ومن سخرية القدر؛ أن المسيرة فُضت بخراطيم المياه مما دفع أحد المحتجين للصراخ ساخرًا:
- الحمد للله شربنا ودوّشنا...
ومن سخرية القدر؛ أن المسيرة فُضت بخراطيم المياه مما دفع أحد المحتجين للصراخ ساخرًا:
- الحمد للله شربنا ودوّشنا...
مدينة تالسينت الصغيرة بالجنوب الشرقي على الحدود مع الراشيدية، خرجت هاذ الأيام عن بُكرة أبيها تطالب بالماء.. بلدة منسية أقرب لقرية دمّرتها جيوش المغّول الهمجية.. وبدل أن يستجاب لهم، ويُفتح مع ممثلين للساكنة حوار جاد ومُثمر؛ وتمنح لهم نوايا حسنة على الرغبة في حلّ أزمة عطش تهدد البشر والحجر والطير؛ تفاجأ السكان صبيحة اليوم المُقرر فيه تنظيم المسيرة؛ بأسطول من سيارة رجال الأمن بمتخلف تلاوينها وأشكالها.. وُّجهت الاستدعاءات لنشطاء دعوا للاحتجاج للحضور - عاجلاً - للمخافر.. زيارة بسيطة لمدينة تالسينت ستزيد من يقينك بأن مخرج فيلم "الرسالة"؛ الراحل مصطفى العقاد، كان محقا حين رَغِب في تصوير مشاهد من فيلمه بها.. فهي أقرب لقرية من قرى يثرب، أو الحبشة، أو الطائف..منها لمدينة في زمن GBS..
طاطا المنسّية .. أو طاطا النار كما يحلو لصديق لي تسمّيتها، يتعب الناس في الحصول على الماء فيها.. مع أن محمّيات خليجية - فوق تراب محلي - تجري فيها المياه كشلالات أزود.. بعض من هواة الصيد من مشايخ الخليج استوطنوا هذه الرقعة المنسّية وراحوا يطلقون طيور الحُبّار لتعود لهم بشيء نجهله، ويلحقون بحيوان الغزال بسياراتهم رباعية الدفع الفارهة، ويعودون مساء للإقاماتهم الفاخرة ويفتحون الصنابير فتنزل المياه رقراقة عذبة باردة.. هذا المشهد حلم لساكنة المنطقة.. إذ كيف يتوفر الماء لأولائك ويضّنُ عليهم..!! وتلك سياسات الدولة..
عديدة هي القرى والمدن التي خرج فيها الناس مطالبين بالماء... يدفعون ثمن جشع الفلاحين الكبار والمستثمرين في القطاع الفلاحي.. يجني الواحد منهم محصّوله ويعد أرباحه ويغادر.. خلفه يترك أفوّاها جافة.. قصّبات هوائية تطلب بلّل رشفة تُعيد للجسد الحياة.. نوايا الدولة منعدمة في البحث عن حلول لهم.. تتركهم يواجهون مصيرهم لوحدهم؛ وإن انظمّوا وخرجوا يحتجون..
فهم مستعدون، لأن يسجنوا كل طالب "للحياة"...


0 التعليقات