فضح الحتمية البيولوجية
● الماركسيون، طبعا، يقبلون بالدور العام الذي تلعبه المورثات (الجينات ) في تطور الأفراد. لكن المورثات ليست العامل الوحيد المتدخل في نمط وشدة هذا التطور.
طفت هذه المسألة إلى السطح حينما سعى طيف من الناس إلى اعتبار المورثات العامل الأوحد المتحكم في التطور والسلوك الإنسانيين.
في الحقيقة، المورثات (أي الطبيعة) وعوامل البيئة والمحيط تتفاعل فيما بينها، بشكل تلعب فيه عوامل البيئة الأبرز حتما، لتحدد طبع الفرد.
الإكتشافات الحديثة في مشروع الجينوم البشري (مشروع علمي يهدف إلى التعرف إلى مختلف المورثات البشرية عددا ونوعا - المترجم) حسمت السجالات القائمة بخصوص المفارقة بين العوامل الوراثية وتلك البيئية. العدد القليل نسبيا للمورثات المتضمنة في الجينوم البشري قد ألغى الفرضية القائلة بأن الجينات وحدها من تقوم بتحديد أنماط السلوك كالإجرام والميول الجنسي..إلخ
هذا الإكتشاف قد أصاب في مقتل إدعاءات دين هامر Dean Hammer حينما ادعى اكتشافه وعزله لمورثة من الصبغي الجنسي X مسؤولة عن الميولات الجنسية لدى المثليين. ادعاءات أخرى مماثلة تم نشرها والترويج لها عن اكتشاف مورثات مسؤولة عن القدرة على الجري السريع، وأخرى عن الذوق الفني، بل حتى مورثات مسؤولة عن القناعات السياسية للأفراد.
في الحقيقة، المورثات (أي الطبيعة) وعوامل البيئة والمحيط تتفاعل فيما بينها، بشكل تلعب فيه عوامل البيئة الأبرز حتما، لتحدد طبع الفرد.
الإكتشافات الحديثة في مشروع الجينوم البشري (مشروع علمي يهدف إلى التعرف إلى مختلف المورثات البشرية عددا ونوعا - المترجم) حسمت السجالات القائمة بخصوص المفارقة بين العوامل الوراثية وتلك البيئية. العدد القليل نسبيا للمورثات المتضمنة في الجينوم البشري قد ألغى الفرضية القائلة بأن الجينات وحدها من تقوم بتحديد أنماط السلوك كالإجرام والميول الجنسي..إلخ
هذا الإكتشاف قد أصاب في مقتل إدعاءات دين هامر Dean Hammer حينما ادعى اكتشافه وعزله لمورثة من الصبغي الجنسي X مسؤولة عن الميولات الجنسية لدى المثليين. ادعاءات أخرى مماثلة تم نشرها والترويج لها عن اكتشاف مورثات مسؤولة عن القدرة على الجري السريع، وأخرى عن الذوق الفني، بل حتى مورثات مسؤولة عن القناعات السياسية للأفراد.
واقع الحال أن السلوك البشري جد مركب ولا يمكن إختزال دواعيه في العامل الوراثي وحده، والإكتشافات العلمية الأخيرة تناقض بشكل صريح كل الهراء الذي تم تقديمه على مدى سنوات كحقائق لا تقبل النقاش.
لطالما أصر دعاة الحتمية البيولوجية على تحكم المورثات في تفاصيل السلوك البشري وحاولوا حصر المشاكل الإجتماعية في خانة علم الوراثة.
في لندن، شهر فبراير 1995، تم عقد مؤتمر حول علم وراثة الإجرام والسلوك المعادي للمجتمع. 10 من أصل 13 متدخلا في المؤتمر أتوا من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة حيث تم إلغاء مؤتمر مماثل كان مزمعا تنظيمه تحت الضغط الشعبي الذي رفض النبرة العنصرية (العرقية - المترجم) المتعالية التي صدرت عن المنظمين.
رئيس مؤتمر لندن، السيد مايكل راتر Micheal Rutter عن معهد لندن للتحليل النفسي، طرح : " لا يوجد أي شيء اسمه علم الإجرام".
الدكتور غريغوري كاري عن معهد الوراثة السلوكية بجامعة كولورادو الأمريكية ومؤتمرون آخرون، قالوا بأن الجينات مسؤولة فقط عن 40% إلى 50% من العنف الإجرامي. ورغم تصريح هذا العالم بأن محاولات علاج الإجرام بتقنيات الهندسة الوراثية ليس حلا عمليا، إلا أن آخرين قالوا بالعكس، ودافعوا عن فكرة معالجته بعقاقير مناسبة ما أن يتم تحديد المورثات المسؤولة عنه.
في سياق مرتبط، صرح الدكتور غريغوري كاري بمعقولية فكرة الإجهاض إذا ما تبين من التحليلات الوراثية المنجزة قبل الولادة، أن الجنين يحمل مورثات عدوانية.
وجهة النظر هذه تم تبنيها كذلك من طرف الدكتور دافيد غولدمان David Goldman عن مختبر الوراثة العصبية بالمعهد الوطني الأمريكي للصحة قائلا : " يجب إخبار العائلة بالمعلومة المتوفرة حول الجنين، وأن تمنح لهم الفرصة في تقرير ما ينبغي فعله بشأنه". جريدة الإندبندنت عدد 14 فبراير 1995.
هناك أمثلة أخرى، منحنى بيل Bell سيء السمعة، الذي خطه تشارلز موراي Charles Murray، أعاد إحياء النقاش حول التفسير الوراثي للفجوة بين معدل الذكاء ( IQ ) الأمريكيين البيض والأمريكيين السود.
البروفيسور راي جيفري ( C.R. Jeffery أستاذ علم الإجرام بجامعة فلوريدا ومؤلف كتاب البولوجيا والجريمة - المترجم) كتب :" ينبغي على العلم أن يحدد لنا أي الأشخاص سيصيرون مجرمين، وأيهم لا، وأيهم سيصيرون ضحايا، وأيهم لا، كما سيتعين على العلم أن يمكننا من معرفة أية استراتيجية قانونية ستكون أكثر فعالية في مكافحة المجرمين". متدخل آخر يدعى يودوفسكي دعم بحماس جيفري بحماس مؤكدا على أننا على باب ثورة في الطب الوراثي وأن المستقبل كفيل بفهم علم الوراثة المرتبط بالإضطرابات العدائية وبتعيين الأفراد المحتمل أن يتبنوا العنف بطريقة علمية.
في لندن، شهر فبراير 1995، تم عقد مؤتمر حول علم وراثة الإجرام والسلوك المعادي للمجتمع. 10 من أصل 13 متدخلا في المؤتمر أتوا من الولايات المتحدة الأمريكية، وهي الدولة حيث تم إلغاء مؤتمر مماثل كان مزمعا تنظيمه تحت الضغط الشعبي الذي رفض النبرة العنصرية (العرقية - المترجم) المتعالية التي صدرت عن المنظمين.
رئيس مؤتمر لندن، السيد مايكل راتر Micheal Rutter عن معهد لندن للتحليل النفسي، طرح : " لا يوجد أي شيء اسمه علم الإجرام".
الدكتور غريغوري كاري عن معهد الوراثة السلوكية بجامعة كولورادو الأمريكية ومؤتمرون آخرون، قالوا بأن الجينات مسؤولة فقط عن 40% إلى 50% من العنف الإجرامي. ورغم تصريح هذا العالم بأن محاولات علاج الإجرام بتقنيات الهندسة الوراثية ليس حلا عمليا، إلا أن آخرين قالوا بالعكس، ودافعوا عن فكرة معالجته بعقاقير مناسبة ما أن يتم تحديد المورثات المسؤولة عنه.
في سياق مرتبط، صرح الدكتور غريغوري كاري بمعقولية فكرة الإجهاض إذا ما تبين من التحليلات الوراثية المنجزة قبل الولادة، أن الجنين يحمل مورثات عدوانية.
وجهة النظر هذه تم تبنيها كذلك من طرف الدكتور دافيد غولدمان David Goldman عن مختبر الوراثة العصبية بالمعهد الوطني الأمريكي للصحة قائلا : " يجب إخبار العائلة بالمعلومة المتوفرة حول الجنين، وأن تمنح لهم الفرصة في تقرير ما ينبغي فعله بشأنه". جريدة الإندبندنت عدد 14 فبراير 1995.
هناك أمثلة أخرى، منحنى بيل Bell سيء السمعة، الذي خطه تشارلز موراي Charles Murray، أعاد إحياء النقاش حول التفسير الوراثي للفجوة بين معدل الذكاء ( IQ ) الأمريكيين البيض والأمريكيين السود.
البروفيسور راي جيفري ( C.R. Jeffery أستاذ علم الإجرام بجامعة فلوريدا ومؤلف كتاب البولوجيا والجريمة - المترجم) كتب :" ينبغي على العلم أن يحدد لنا أي الأشخاص سيصيرون مجرمين، وأيهم لا، وأيهم سيصيرون ضحايا، وأيهم لا، كما سيتعين على العلم أن يمكننا من معرفة أية استراتيجية قانونية ستكون أكثر فعالية في مكافحة المجرمين". متدخل آخر يدعى يودوفسكي دعم بحماس جيفري بحماس مؤكدا على أننا على باب ثورة في الطب الوراثي وأن المستقبل كفيل بفهم علم الوراثة المرتبط بالإضطرابات العدائية وبتعيين الأفراد المحتمل أن يتبنوا العنف بطريقة علمية.
● حينما بدأنا بانتقاد هذه النظريات الخاطئة لم نكن على دراية بأنه خلال السنوات التالية سيتم إثبات لاعلميتها. الآن، بعدما تمكننا من حصر عدد مورثات الجينوم البشري في ما لا يزيد عن 40 ألف مورثة، و ربما في حدود ال30 ألفا أو أقل، فقد تم دحض الحتمية البيولوجية-الجينية جملة وتفصيلا.
شركة سيليرا Celera المملوكة لعالم الوراثة الأمريكي كريغ فنتر Craig Venter، والتي كانت من بين المشتغلين على مشروع الجينوم البشري، أوضحت الأمر حينما أعلنت :" بكل بساطة، لا نملك ما يكفي من الجينات للبرهنة على صحة الحتمية البيولوجية. التنوع المبهر للنوع البشري ليس مبرمجا في برنامجنا الوراثي. البيئة عامل محدد وأساسي". مجلة ذا أوبسيرفر The Observer 11/02/ 2001 .
تستمر نفس المجلة في توضيح الفكرة :" فقط عندما تمكن العلماء من ملاحظة كيف يتم تنشيط وكبح بعض المورثات خلال عملية تركيب البروتينات، استطاعوا ملاحظة الفرق الجلي بين أنواع الثدييات. الإختلاف الأساس يكمن في الطريقة التي تضبط بها المؤثرات البيئية المورثات البشرية مقارنة ببقية الحيوانات".
هذا يعني أن البيئة ( المحيط - المترجم )، أي المؤثرات الخارجية الفيزيائية والإجتماعية، هي التي التي تتحكم أساسا في التطور على نحو معين. دور المورثات مهم أيضا، لكن علاقتها بالتطور ليست بسيطة أو ميكانيكية كما تزعم نظرية الحتمية البيولوجية، بل مركبة وجدلية كما تحاجج بذلك النظرية الماركسية.
فلنأخد مسألة قدرة التعرف على النوتة الموسيقية المثلى، (The perfect pitch ) كمثال على التفاعل الجدلي بين المورثات والبيئة. في كتابه الجديد " المقطع The sequence"، الذي يصف رحلة البحث عن الجينوم البشري ، كتب كيفن دايفيس Kevin Davies :" أنجزت دراسة حول النوتة المثلى ترى بأن القدرة على تمثلها لا يمكن أن تتحقق دون وراثة مورثة معينة. يظهر هذا كأنه دليل حاسم على صحة الحتمية البيولوجية. رغم ذلك، فإن هناك لازمة حاسمة أيضا : ينبغي على الفرد أن يخضع لتداريب موسيقية في عمر مبكر لإكتساب هذه القدرة. بصيغة أخرى، للتنشئة دور هام تلعبه حتى وإن بدا أن الأمر يحتاج إلى وراثة المهارات والقدرات وحسب".
شركة سيليرا Celera المملوكة لعالم الوراثة الأمريكي كريغ فنتر Craig Venter، والتي كانت من بين المشتغلين على مشروع الجينوم البشري، أوضحت الأمر حينما أعلنت :" بكل بساطة، لا نملك ما يكفي من الجينات للبرهنة على صحة الحتمية البيولوجية. التنوع المبهر للنوع البشري ليس مبرمجا في برنامجنا الوراثي. البيئة عامل محدد وأساسي". مجلة ذا أوبسيرفر The Observer 11/02/ 2001 .
تستمر نفس المجلة في توضيح الفكرة :" فقط عندما تمكن العلماء من ملاحظة كيف يتم تنشيط وكبح بعض المورثات خلال عملية تركيب البروتينات، استطاعوا ملاحظة الفرق الجلي بين أنواع الثدييات. الإختلاف الأساس يكمن في الطريقة التي تضبط بها المؤثرات البيئية المورثات البشرية مقارنة ببقية الحيوانات".
هذا يعني أن البيئة ( المحيط - المترجم )، أي المؤثرات الخارجية الفيزيائية والإجتماعية، هي التي التي تتحكم أساسا في التطور على نحو معين. دور المورثات مهم أيضا، لكن علاقتها بالتطور ليست بسيطة أو ميكانيكية كما تزعم نظرية الحتمية البيولوجية، بل مركبة وجدلية كما تحاجج بذلك النظرية الماركسية.
فلنأخد مسألة قدرة التعرف على النوتة الموسيقية المثلى، (The perfect pitch ) كمثال على التفاعل الجدلي بين المورثات والبيئة. في كتابه الجديد " المقطع The sequence"، الذي يصف رحلة البحث عن الجينوم البشري ، كتب كيفن دايفيس Kevin Davies :" أنجزت دراسة حول النوتة المثلى ترى بأن القدرة على تمثلها لا يمكن أن تتحقق دون وراثة مورثة معينة. يظهر هذا كأنه دليل حاسم على صحة الحتمية البيولوجية. رغم ذلك، فإن هناك لازمة حاسمة أيضا : ينبغي على الفرد أن يخضع لتداريب موسيقية في عمر مبكر لإكتساب هذه القدرة. بصيغة أخرى، للتنشئة دور هام تلعبه حتى وإن بدا أن الأمر يحتاج إلى وراثة المهارات والقدرات وحسب".
إذن، هناك تداخل مركب بين المحتوى الجيني للفرد من جهة، وبين الظروف الملموسة المحيطة به من جهة أخرى. بلغة هيجل : المورثات تعبر عن الإمكانية، لكن هذه الإمكانية لا تتحقق دون مؤثرات خارجية.
الوسط المحيط يقوم بتنشيط المورثات خالقا بعض التغيرات الصغيرة، بعضها مفيد بشكل ثوري رغم كون أغلب الطفرات مؤذية أو غير مفيدة على الأقل. الطفرات المفيدة على مدى طويل أثبتت أنها تولد تغيرات نوعية للجسم مفضية إلى حدوث عملية الإنتقاء الطبيعي.
الوسط المحيط يقوم بتنشيط المورثات خالقا بعض التغيرات الصغيرة، بعضها مفيد بشكل ثوري رغم كون أغلب الطفرات مؤذية أو غير مفيدة على الأقل. الطفرات المفيدة على مدى طويل أثبتت أنها تولد تغيرات نوعية للجسم مفضية إلى حدوث عملية الإنتقاء الطبيعي.
افتتاحية ذا أوبسيرفر إنتهت إلى الإستنتاج السياسي التالي : " سياسيا، هذه الخلاصات مطمئنة لليسار المؤمن بامكانيات الجميع دون الرجوع إلى خلفياتهم. لكنها مدمرة بالنسبة لليمين المتعلق بالطبقة الحاكمة والخطيئة الأولى." نفس المرجع.
------------------------------------------------
المقال الأصلي : Biological determinism exposed
تأليف : تيد غرانت و آلن وودز Ted Grant & Alan Woods
مقتطف من مؤلفهما المشترك " العقل في تمرد : الفلسفة الماركسية والعلوم الحديثة Reason in revolt : marxist philosophy & modern science "
المقال الأصلي : Biological determinism exposed
تأليف : تيد غرانت و آلن وودز Ted Grant & Alan Woods
مقتطف من مؤلفهما المشترك " العقل في تمرد : الفلسفة الماركسية والعلوم الحديثة Reason in revolt : marxist philosophy & modern science "
ترجمة : يوسف هموش .


0 التعليقات